حركة القيم الإنسانية سوكا كاكاي
الحركة المعاصرة لفلسفة اللوتس
جمعية القيم الإنسانية
سوكا كاكاي
رغم ان الفلسفة البوذية مرنه التطبيق وبسيطه في الآساس، إلا أن كثيراً من التعقيدات و الطقوس قد أضيفت على ممارستها من قبل الكهنة والرهبان. كان ذلك مساعداً لرجال الدين على بناء هيكل من السلطة الخاصه بهم . وقد ولًد نظام المعابد أيضاً تواجداً لممارسات شكلية ولطرائق ليست من صلب التعاليم الضرورية .
ويعرف رجال الدين كذلك بتحفظهم و ببطء قبولهم لتطورات الواقع ، وهذا سبب في تشكيل عائق أمام الكثير من الناس الراغبين في الاستفادة من تفسير للتعاليم ضمن ضوء يناسب الواقع المتطور.
وبالإضافة إلى هذا الحال من الجمود و التقييدات على روح التعاليم - اتجه كهنة المعابد إلى المشاركة في الأمور السياسية والتحالف مع السلطات الحاكمة، بل في تبرير الحملات العسكرية أو وضع الإطهاد في المجتمع.
إن أكبر المشاكل في حياة المجتعات هو فقدان الأمن والسلم واحترام الكرامة الشخصية - وهي الأساسيات التي تنادي بها البوذية. ويبين التاريخ أن واقع حياة الناس عبر الأزمنة كان سجلاً لكوارث أليمة أتت بها الحروب. كان من المفروض أصلاً ان تكون الديانات الروحية حاملاً على فكر مقدس يمنع العنف و يجلب السعادة و الطمأنينة إلى الحياة الإنسانية . برغم ذلك ، كانت السلطات الدينية في مساندتها أو تبريرها للحروب، عاملاً في جلب مصائب لا تحصى.
البوذية أساساً فلسفة قائمه على عدم العنف. رغم ذلك فقد شارك كثير من الكهنة في دعم السلطات العسكرية أثناء الحروب. وعموماً زاد الخلاف بين فكر الناس العاديين و السلطات الدينية للمعابد، ونما ذلك الخلاف إلى رفض الكثير من المثقفين الخضوع للتسلط الروحي و المادي لرجال الدين - مما ولَد مساراً جديداً في ممارسات التعاليم البوذية، كما جرى بشكل خاص في أواخرألقرن الماضي، وشكَل بداية ازدهار عالمي لحركة البوذية النيتشيرينية المعاصرة.
جمعيّة الأفراد العاديين للدراسة وللإتجاه إلى الإستنارة
في أعوام الثلاثينات من القرن الماضي قام عدد من المثقفين بإنشاء جمعية عامة في اليابان باسم “جمعية إبداع القيم التعليمية” Soka Kyoiku Gakkai (حيث تعني كلمة “سوكا” “القيم الإنسانية”).
وترتكزهذة الجمعية في أصولها على تعاليم نيتشيرين (شمس اللوتس) والذي يعتبر بمثاية البودا الذي ظهر في العصرالجاري بعد وفاة البودا التاريخي (ساكياموني) . كان هدف تلك الجمعية مبدئياً نشر الوعي في مجال التعليم على ضرورة احترام دور الفرد وشخصيته قي المجتمع. وفي عام 1930 قام المدرس والكاتب الإنساني التطلعات، السيد " ماكي كوتشي"، Makiguchi مع معاون له، السيد تودا Toda ، بتأسيس جمعية “السوكا”.
انتشردعم المثقفين لهذه الجمعية ، ولكن في ظروف كان فيها الوضع الاجتماعي آنذاك يسير نحو الاتجاه المعاكس لمبادئها. إذ ازدادت آنذاك سيطرة الحكام العسكريين وساد جو من التعبئة الجماعية والاتجاه للعنف.
وقد فرضت الحكومة على جميع الكنائس والمعابد إعلان تأييدها للحرب، واعتبار شخص الحاكم الأعلى مقدساً، وفرضت السلطات وضع الإشارة الدينية للشينتو، وهي ديانة النظام الحاكم، فوق كل المقدسات الدينية. وفي حين أذعنت كل الكنائس و المعابد دون استثناء لطلبات الحكم العسكري رفض السيد “ماكي كوتشي” و معاونه السيد “تودا " - أن تخضع جمعية السوكا إلى أفكار وأوامر الحكم العسكري، مما سبب اصدارالآمر بحلها واعتقال قادتها في عام 1943 بتهمه “الإجرام الفكري” – أي أن مجرد التفكير ضد الطبقة الحاكمة كان يعتبر إجراماً.
كان “ماكي كوتشي” في عمر الثانية والسبعين حين أدخل السجن و أخضع للإستجواب وسوء المعاملة؛ أما معاونه " تودا " فقد كان في عمر الثالثة والإربعين. و برغم الضعف الجسمي و فقدان الغذاء المناسب والظروف الصحية، فقد رفض كلاهما الإذعان للتخلي عن مبادئ التعاليم النيتشيرينية.
توفي " ماكي كوتشي” في السجن في عمر الثالثة و السبعين , وفي فترة لاحقة أفرج عن “تودا” في نهاية الحرب ( 1945) والتي انتهت بالهزيمة التامة لليابان .
وفي تلك الظروف، أصبحت جمعية السوكا فعلياً عبارة عن شخص واحد فقط ، هو السيد تودا، إذ أن الحرب والإضطهاد الذي جرى لأعضائها قد أوقف كل الإرتباطات والفعاليات السابقة.
التشكّل من جديد
ضمن جو الدمار العام الذي خلفته الحرب ، وظروف الفقر الشديد ، سادت روح المعاناة وفقدان الأمل لدى عامة الناس. ولكن " تودا " كان متقداً بالتصميم على اعادة بناء “جمعية القيمة” لنشر مبادىء الإنارة . ذلك أن تجربته في السجن زادت من ادراكه لمعنى حياته و لمهمته لتمكين جميع الناس من التحرر من البؤس ولإحياء روح الإشراق والتجدد بالإعتماد على مقدراتهم الضمنيه، وليس على نظام الحكم أو رجال الدين.
وبادئاً من اقربائه ومعارفه، جذبت روح وجهود السيد “تودا” عدداً متزايداً من الناس، حيث وجدو في تعاليمه طريقاً للأمل والتغيير.
جمعية إبداع القيّم الإنسانية
سوكا كاكاي
Soka Gakkai
تم اعادة تأسيس جمعية “إبداع القيّم الإنسانية” سوكا كاكاي في عام 1951 برئاسة السيد “تودا” بهدف تمكين الناس من الإعتماد على الذات للوصول إلى وضع الإستنارة. وقد جذب هدف الجمعيّة العمل لرفع المعاناة عن الناس اهتماماً كبيراً.
ففي خلال سبعة سنوات، نمت عضوية “جمعية السوكا " إلى مئات الآلاف لدى وفاة السيد تودا في 1958. وقد تم ذلك بالجهود المشتركه له ولمساعد معاون له من الشباب هو: السيد “إيكيدا " Ikeda والذي دفع بالمنظمة فيما بعد الى النطاق العالمي .
نشأ السيد " دايساكو إيكيدا " Daisaku Ikeda في ظروف اجتماعيه فقيرة جداً لم تمكنه من متابعه دراسته الثانوية .وكان ضعيف الصحة الى حد كبير وهو في عمر التاسعة عشر حين انضمّ إلى الجمعية آنذاك. ولكنه استطاع من خلال ممارسته للتعاليم النيتشيرينية أن يطور كل أوضاعه : مستعيداً صحة ممتازة و بازغاً على المستوى العالمي كمؤلف وشاعر ومشارك في حوارات ثقافية مع عشرات من المفكرين من مختلف المجالات، ناشراً لعدد يقارب المئه من الكتب التي ترجم بعضها الى عشرة لغات .
وقد استخدم " إيكيدا " عائدات كتبه و منشوراته الثقافيه الوافرة لبناء المدارس والجامعات ولبناء أبنية المراكز الثقافية للتعلم ولممارسه الإنشاد . كذلك منح " ايكيدا " مئات من الشهادات الفخرية والإعتبارات الرسمية تقديراً لجهوده في نشر الثقافة و السلم و التعليم في العالم.
تولى " أيكيدا " رئاسة “حركة السوكا” في 1960 وقاد مشاريع نشر تعاليم فلسفة اللوتس في ضمن صفوف عامة الناس، مدافعاً ضد حملات كثيرة من قبل القوى المعادية والتي تمثلت في المتطرفين والمتسلطين. وسرعان ما ازدادت العضوية الى عدة ملايين والذين انتقل عدد منهم الى دول ومناطق مختلقة في العالم، مما شكل نواة انتشار التعاليم النيتشيرينية للسوكا كاي على الصعيد العالمي.
استرعت القيم الإنسانيّة للسوكا الكثيرين من المثقفين ومدرسّي الجامعات وكذلك من دعاة السلم وحقوق الإنسان. وقد دعيّ إيكيدا إل لقاءات حوار مع كثير من المتفوقين في مجالات الثقافة والفن والطب والعلوم وكذلك في مجالات التاريخ والفلسفة وقد نشرت مواضيع النقاشات في كتب ترجمت إلى عديد من اللغات. ، ومقدماً اقتراحات سنوية إلى الأمم المتحدة و الجامعات لأجل نظرة جديدة لمعالجة الأمور الطارئة و التحديات التي تجابهها الأنسانية.
بعد انتشار التعاليم النيتشيرينية في عدد من دول العالم، ولو على نطاق ضيِق، إجتمع ممثلون حركة عن خمسين من هذة التجمعات النيتشيرينية من بلاد متفرقة في عام 1975 في جزيرة"كوام” التي تتوسط المحيط الهادي، وقرروا تشكيل :
“الحركة العالمية لإبداع القيم الإنسانية”
International Soka Gakkai
وقد افتتحت هذة الحركة الإنسانية عدداً من المراكز الثقافية في كثير من الدول ونمت إلى ما يقارب ال 12 مليوناً من الأعضاء غالبيتهم في اليابان. وهي تحظى بتأييد من الإتجاهات التقدمية ومنها اعتراف الأمم المتحدة بها كمنظمة لنشر السلم في العالم. كذلك تحظى السوكا كاكاي بعداء كبير من جهة القوى التسلطية والرجعية تتمثل في تعنتّ الكهنة والإتجاهات العنصريّة.
ففي بداية التسعينات من القرن الماضي، جرى خلاف كبير بين كهنة المعابد النيتشيرينية وأعضاء من حركة السوكا حول عدد من الأمور. كان أول اخلافات هو مطالبة الكهنة بالطاعة المطلقة لسلطة رئيس الكهنة (الهاي بريست) معتبرين أنه ذو مركز قدسي خاص. بالإضافة إلى هذا الضغط الروحي، كان هناك أيضاً ضغط مادي يطالب بزيادة التبرعات التي منها يعيش الكهنة وبما انتقده الكثيرين من الأفراد العاديين حول ذلك وحول غطرسة كهنة المعابد في المعاملات. وقد رفض الكهنة اعتبار الناس العاديين مساوين لهم معتبرين سلطتهم أعلى روحيّاً. وبعد رفض الكهنه النقاش حول أمور الخلاف كان الطريق الوحيد لحركة السوكا الإنفصال التام عن رجال الدين.
تعتمد حركة السوكا في الإستمرار على الأفراد العاديين و جهودهم الصادقة القلبية في نشر تعاليم السلم و القيمة (بدءاً من جهد الفرد العادي لتغيير أوضاعه الى وضع الحكمة و الإنتصار على الصعيد اليومي عبر ممارسة الإنشاد ودراسة التعاليم).
كان انفصال حركة السوكا عن المعابد ورجال الدين – الذي ترسخ منذ باية القرن الحالي – مثار اعجاب و تأييد من قبل الدارسين و الأكاديميين الذين رأو في ذلك حركة ثورية تماثل حركات الإصلاح الديني و الإجتماعي عبر التاريخ.
جمعيّة السوكا كا كاي تمثّل أكبر تجمع بوذي عالمي وعلماني ليس فيه نظام كهني - وينتمي اعضاؤه إلى جميع الجنسيات ، والى كافه المستويات و الطبقات الإجتماعية . و تتلخص فعالياتها على عقد اجتماعات في فرق صغيرة للدراسة والنقاش تبدأ عادة بالإنشاد - وكذلك على مشاركات فنية عامة ومنها بشكل خاص الفعاليات الموسيقية و الثقافية المختلفة.
موقف تعاليم ال " سوكا كاكاي " من الحضارات الدينية
تعتمد حركة السوكا مبدأ نشر المفاهيم الإنسانية والبحث عما هو مشترك بين الناس . لذلك تدعو الجمعية إلى الحوار الحضاري، وتعمل على وقف التحامل الديني أو العنصري. وقد جرت مقابلات للحوار مع عدد من المثقفين والمسؤلين لكافة الديانات العالمية للتعاون لنشر الصداقة و الطمأنينة و الحرية الدينية و احترام مشاعر وعقائد كل الأفراد.
وقد جرت حوارات بين قادة و أفراد السوكا مع عدد من ممثلي كل الأديان المختلفة، و سجلت هذة الحوارات ألإنسانية في لقاءآت وفي عدد من الكتب التي تركز على احترام كل العقائد و التركيز على ايجاد ماهو مشترك بين الناس. وكل فرد يرغب عمقاً بحياة من السلم والقيمة واحترام كرامته الشخصية.
ليس في فلسفة الإنارة التي تعتمدها حركة السوكا تضاد أو خلاف مع أي من الديانات. وليس هناك في الواقع ديانة تعاكس هدف حركة السوكا وهي تمكين الفرد العادي على تطوير نفسه ثقافياً و إنسانياً.
والسؤال الأساسي لأعضاء هذة الحركة هو:
“كيف لي أن أكون إنساناً أفضل؟”
“كيف لي بمساعدة الآخرين لإزالة المعاناة، ونشر جو من الأمل وراحة القلب وسعة الفكر”.